كان لتولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مسؤولية رئاسة الوزراء لدولة الإمارات العربية المتحدة في مستهل عام 2006 أثره الجلي على أداء مؤسسات الحكومة الاتحادية في الدولة، فكان بذلك قائد الركب لتنفيذ خطة التمكين الوطنية التي أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في اليوم الوطني ال 34 في نهاية عام 2005 والتي تهدف في المقام الأول إلى تعزيز دور المؤسسات الاتحادية، فبدأ الشيخ محمد بن راشد مواصلة الليل بالنهار لدفع عجلة التطوير بقوة، منتهجا لذلك أسلوباً علمياً مبنياً على خطة استراتيجية واضحة أطلقها بعد عام من توليه المنصب والتي تمت صياغتها بعد دراسة الواقع بتمعن عززت بزيارات ميدانية متكرره للوقوف على الأوضاع بشكل شخصي والتي انبرى عنها الكثير من المبادرات التي يتم بواسطتها تنفيذ الاستراتيجية المعلنة، وكان لتنمية القيادات نصيب من تلك المبادرات فأطلق برنامج قيادات حكومة دولة الإمارات، حيث ارتكزت هذه المبادرة على البحث عن الكفاءات القيادية الموجودة في الحكومة الاتحادية وصقلها بالمهارات والمعرفة لتكون جاهزة بشكل أكبر لتساهم في تطوير الحكومة الاتحادية.
كان لي شرف الالتحاق بالدفعة الأولى لهذا البرنامج والذي صُنّف لعدة فئات أولها فئة القيادات الاستراتيجية والذي يعنى بالمديرين التنفيذيين والمديرين العموميين في المؤسسات الاتحادية حيث يخضعون لجرعات معرفية تعزيزية معنية بالقيادة، والفئة الثانية هي فئة القيادات التنفيذية والتي تضم مديري الإدارات ويخضعون فيها لبرنامج مكثف متكامل لتنمية مهارات القيادة ممتد على مدار 18 شهراً، والفئة الثالثة هي قيادات المستقبل التي تضم مستوى نائب مدير إدارة فما دون وتخضع هذه الفئة لنفس البرنامج الذي تخضع له فئة القيادات التنفيذية مع اختلافات بسيطة في بعض المحتوى.
وكان لي نصيب الالتحاق بالفئة الثالثة حيث تم ترشيحي من قبل وزارة الداخلية مع مجموعة من الزملاء وتم إخضاعنا لاختبارات تقييمية متنوعة وشاملة استمرت ما يقارب الخمس ساعات تم من خلالها تصفية المجموعة من 120 مرشحاً من كافة المؤسسات الاتحادية في الدولة إلى 30 منتسباً وهو العدد المطلوب للبرنامج.
بدأ البرنامج في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2008 وانتهى في إبريل/نيسان من عام ،2010 كان للبرنامج فوائده الجمة التي أثرت المنتسبين في الجانبين الشخصي والمهني، وأكبر هذه الفوائد هو جمع منتسبين من مختلف قطاعات الحكومة الاتحادية مما أثر إيجابا في التبادل البيني للمعرفة والخبرات، هذا بالإضافة لإتاحة الفرصة للمجموعة في مناقشة واقع حال المؤسسات الاتحادية في الدولة ومحاولة الاستفادة من أفضل التطبيقات بين قطاعات الحكومة الاتحادية لتطويرالعمل، بالإضافة إلى بناء شبكة علاقات بينية استطاع الكثير من الزملاء استثمارها في تذليل العقبات المهنية التي تواجههم أو تسهيل الإجراءات بالشكل الذي كان يضمن جودة وسرعة إنجاز الأعمال بين المؤسسات الاتحادية.
كذلك من أهم فوائد البرنامج الدورات التدريبية المتنوعة التي تم إخضاع المنتسبين لها خلال فترة العام والنصف، حيث كان لها أثر معرفي ومهاري كبير، فقد تم استقطاب أفضل الجامعات والمعاهد المعنية بتدريب القيادات على مستوى العالم أمثال هارفرد وديوك وإنسياد من الولايات المتحدة الأمريكية وأشردج من بريطانيا وجامعة أستراليا الوطنية وجامعة فيكتوريا في نيوزلندا، لتقديم البرامج المتخصصة في الاستراتيجيات وإعداد القائد الحكومي النموذجي والإدارة المالية وإدارة المشاريع وإدارة المواهب ومهارات التفاوض، فكان لتنوع المدارس وتنوع المعرفة أثره في صقل المهارات القيادية لدى المنتسبين والذي انعكس بوضوح على المستويين الشخصي والمهني.
كذلك لم يخل برنامج القيادات من اللمسات الإبداعية التي تخرجه من قالب الدورات التقليدية فاعتمد نظام المستشار الشخصي طيلة مدة البرنامج حيث خُصص مستشار خاص لكل منتسب من أصحاب الخبرات العريضة في مجال تطوير القيادات بالتعاون مع معهد أشردج في بريطانيا، قام هذا المستشار بعقد عدة لقاءات مع المنتسب ومناقشة مواضيع شخصية ومهنية عدة معه محاولا من خلالها تحليل نقاط القوة والضعف للمنتسب وتوجيهه لاستثمار القوي منها وتعزيزها وتطوير القدرات التي يعتريها بعض الضعف مما ينعكس إيجابا على المهارات القيادية للمنتسب.
وتحقيقا لهدف الخروج من الدائرة النظرية للبرنامج وبغية في الإطلاع على أفضل الممارسات الحكومية على مستوى العالم تم تنظيم زيارة ميدانية لأستراليا ونيوزلندا للإطلاع على أفضل الممارسات الحكومية في كلا البلدين كجزء من البرنامج، وتم تقسيم المنتسبين إلى مجموعات يختص كل فريق بالتركيز على جانب معين من جوانب الممارسات الحكومية المميزة وجمع معلومات عنه وتقديمها في عرض أمام المجموعة بعد العودة من الزيارة، كان اختيار البلدين موفقا حيث حصل المنتسبون على فرصة للإطلاع عن قرب على مبادرات متطورة ساعدت على توسيع المخيلة واختبار ما يمكن تطبيقه من تجارب تلك الدول بعد إسقاطه على الواقع الإماراتي،
ولترجمة فوائد البرنامج لواقع تم تكليف المنتسبين في الأربعة أشهر الأخيرة بتقديم مشروع تطويري للحكومة الاتحادية، وبناءً على ذلك تم تقسيم المنتسبين كل على حسب اختياره إلى مجموعات لتقدم مشاريع تطويرية للحكومة الاتحادية في مجالات التطوير التكنولوجي والخصخصة وتحسين جودة الحياة والهوية وتعزيز التعاون بين الحكومة الاتحادية والمحلية، فقدم المنتسبون في النهاية أفكارا ومشاريع إبداعية امتزجت بخلاصة فوائد البرنامج لتهدى للحكومة الاتحادية فسُلمت للقائمين على البرنامج لدراسة ما يمكن تطبيقه.
واليوم ونحن نحتفل بتخرج الكوكبة الأولى من برنامج قيادات الإمارات فإن ذلك يعد برهانا على القدرة الفائقة للحكومة الاتحادية لخلق جيل قيادي مدعوم بالمعرفة والمهارات التي تساعد على تنفيذ استراتيجيات الحكومة الاتحادية بإتقان واقتدار مما يرفع هامة الإمارات عالية معبرة عن قوة البناء الذي يواجه التحديات بكافة أطيافها، فتحية إجلال لأصحاب الفكر النير والمبدع الذي حول هذه المبادرة من فكرة لواقع ملموس .
وأما الخريجون فلا تعد هذه اللحظة نهاية المطاف لهم بل البداية لترجمة تلك المعرفة والمهارات على أرض الواقع المهني مما يعود بالفائدة على الوطن وتعد كذلك بداية انطلاقة لهم للاستزادة والانتهال من المعرفة القيادية لتكون خير معين في “سباق التميز الذي لا نهاية له” .
بقلم/ د. أحمد حسن الخزيمي
نقلاً عن جريدة الخليج
*****
سيقى لبذلكم المخلص ألق
وسيبقى لما منحتموه صدىً دائم
نعدكم..
أن نهب مما تعلمناه زكوات..
لهذه الدولة التي صاغت لنا الحب عطاءات متوالية
وقد شرفتكم بأن جعلتكم رسلها
وشرفتنا بأن جعلتنا سفراء
فأسأل الله أن يجعلنا عند حسن الظن
بوركتم..
وبوركت مساعيكم..
مع تمنياتي للجميع بدوام التقدم والنجاح..
آمنة